أحمد بن علي القلقشندي
377
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وصار الفسطاط في كل وقت تتزايد عمارته حتّى صار في غاية العمارة ونهاية الحسن ، به الآدر الأنيقة ، والمساجد القائمة ، والحمامات الباهية ، والقياسر الزاهية ، والمستنزهات الرائقة ، ورحل الناس إليه من سائر الأقطار ، وقصدوه من جميع الجهات ، وغصّ بسكَّانه ، وضاق فضاؤه الرحيب عن قطَّانه ، حتّى حكى صاحب « إيقاظ المتغفّل » ( 1 ) عن بعض سكَّان الفسطاط أنه دخل حمّاما من بناء الروم في أيام خمارويه بن طولون في سنة سبع وثلاثمائة فلم يجد فيها صانعا يخدمه ، وكان فيها سبعون صانعا قلّ منهم من معه ثلاثة نفر يغسلهم ، وأنه دخل بعدها حمّاما ثم حمّاما فلم يجد من يخدمه إلا في الحمّام الرابعة ( 2 ) ، وكان الذي خدمه معه ثان ( 3 ) . وحكى في موضع آخر عمن يثق به عن أبيه أنه شاهد من مسجد الوكرة ( 4 ) بالفسطاط إلى جامع ابن طولون قصبة سوق متصلة ، فعدّ ما بها من مقاعد الحمّص المصلوق ( 5 ) فكانت ثلاثمائة وتسعين مقعدا غير الحوانيت وما بها . وحكى أيضا عمن أخبره أنه عدّ الأسطال النّحاس المؤبدة في البكر لاستقاء الماء في الطاقات المطلَّة على النيل ، فكانت ستة عشر ألف سطل . قال : وبلغ أجرة مقعد يكرى عند البيمارستان الطولونيّ ( 6 ) بالفسطاط في كل يوم اثني عشر درهما .
--> ( 1 ) هذا الكتاب لتاج الدين ، محمد عبد الوهاب المعروف بابن المتوّج الزبيري المتوفى سنة 730 ه . بيّن فيه أحوال مصر وخططها إلى سنة 725 ه . ( كشف الظنون 214 ) . ( 2 ) الحمام يذكر ويؤنث . ( اللسان 12 / 154 ) . ( 3 ) وقد عدد ابن دقماق في الانتصار : 4 / 104 الحمامات التي كانت موجودة بمصر وضواحيها . ( 4 ) الذي في الخطط للمقريزي عن « ايقاظ المتغفّل » أيضا : « مسجد عبد اللَّه » ولعله يسمى بذلك أيضا . وفي الانتصار : 5 / 42 « مسجد الوكزة » . ( 5 ) فيها لغتان : بالسين أو بالصاد . ( اللسان : 10 / 160 و 206 ) . ( 6 ) ويعرف « بالأعلى » ، أنشأه أحمد بن طولون سنة 259 ه . وقيل سنة 261 ه . وذكر أن مبلغ ما أنفق عليه ستون ألف دينار ، ولم يكن قبل ذلك بمصر مارستان ؛ وقد شرط ابن طولون أن لا يعالج فيه جندي ولا مملوك ، وكان يشارفه بنفسه ، ويركب إليه يوما في كل أسبوع . ( الانتصار : 4 / 99 ) .